رواية " ليت البحر يغرق" للقاصة الشابة كريستي حوراني
الإهداء
في السابعة عشرة صيفا.. دعني أحبك ضعف عمري.. مضروبا في العمر الذي ما أتى مني..
ودعني في سن ما قبل الموت بدقائق.. أحبك بمقدار حياة مستمرة..ومقدار عمر رحل عني
إلى من سكنت عيناه دمّي!!
إلى قلمي الذي ما فارقني...
أحبك
كريستي
كلمات انعجنت بذاكرتي
إنها روايتي الأولى..
سيكون من الصعب علي ألا أترك كلمة هنا بحجم تعب..
سيكون من الإرهاق الأبيض للورقة الأولى أن تبقى صامتة..
أن تبقى مقتولة بالهدوء..
هي التي لم تكف الرياح عن خبطها..
كيف لها ألا تمتص سواد الحبر الآن.. لتقبل يدي أمي..
لتشكر عينيها التي بقيت على قيد الشروق إلي..
عينها اللتين لم تغمضهما إلا علي..
وهي تمدني برعشات دفء سربتها إلى الورق..
كيف لهذه الصفحة القطبية الأولى..
ألا تنحني لتقبل يدا أبي كي يعجن الدفء إليها؟
أبي الشرقي الدماء لم تكن شرقيته عبئا على مشاعري..
وكان أول من أعطاني تأشيرة دخول إلى عنان الأحاسيس..
أما أخي زيد..
نظري إلى ما بعد الأفق..
كبدي الأقرب إلى قلبي..
كان يكفيني شعر عينيه لأبدأ الكتابة!
وبينما تواصل هذه الصفحة تعبئة البياض الأول..
أواصل أنا شكر كل من ساعدني على نشرها.. وكل من دفعني إلى الحرف..
كل من ساعدني على وضع الحطب في نار الكلمة..
كي تواصل الاحتراق الأول للصمت.. خاصة الأخ الصديق عمر تيسير شاهين الذي آمن بموهبتي ووقف بجانبي خطوة بخطوة حتى صدرت الرواية..
وصديقاي من الجزائر مصطفى باديس وويزا.. اللذان كانا أول من دفعني وشجعني على الدخول في عالم الرواية..
فعندما يحترق الصمت..
يصبح لا بد لي أن أعلن عن سبب احتراقه الأوحد..
ولا بد لي أن أنحني احتراما وفخرا لأول من علمتني كيف أملأ سكون الصمت نارا..
لأول من دلّت يدي على السطور بقلم حبره دمي..
لأول من دفعتني إلى استنشاق اللغة العربية بهذا الكم من الانبهار..
سيدة كل ما كتبته:
أحلام مستغانمي..
التي أكتفي بعد اسمها أن أضع أول قبلة على روايتي وأبدأ..
**********************************
حلقة (1(
شاطئ يتمدد أمام عيوننا بشهقة اللون الأزرق.. تصاب رقصة موجه بالسكون المباغت.. وكأنه يحاول ابتلاع رمل تعب منا.. كأنه يحاول سحب الأرض من تحت أقدامنا.. ونحن فوق سخونة هذه الرمال.. لا نعرف ما الذي استقر متواطئا مع قلوبنا.. وبانبهارات مختلفة.. وتردد صاخب الخطوات.. كنت على خجل وارتباك.. إلى أن تقدمت إلّي.. وتركت على 20 حزيران ورود بيلسان متعبة.. كنت أتمدد وقتها فوق الرمال.. بينما أمواج البحر تقترب وتبتعد موهمة إيّاي بعدم الرجوع.. وسرعان ما تواصل الركض كي تتركني أتأملها أكثر من مرة وأنا مبللة بأمطار الحنان والشوق والانتظار.. واقعة في دوامة من عسل عينيك.. تلك التي تراقبني من بعيد.. كانت هفوتي الوحيدة هي أني سقطت بهما.. هفوتي الوحيدة هي أني أحببت بك هفوتي.. كنت خطأ من أروع الأخطاء في حياتي..
وها أنت ..
تمزق كل الحدود.. وتأتي.. تعطي صوتك فرصة أن يسود على وجهي.. فأنتشي بك.. وأمزق بعدك كل ما كنت أخاف منه.
تبدأ بالكلام.. تبدأ بي.. قبل أن ترتب الحروف .. وعلى ألغام وضعتها على جسدي سارقا كل الساعات التي مضت.. قلت:
- أيمكن أن نتحدث؟
أنهت جملتك قيودي.. وتحررت فجأة من شرقيتي..
أجبتك دون تردد ودون أن ألتمس ضوء التفكير.. ولم أدرك قبلها أي نوع من الرجال هو أنت.. وأي صفة من آدم تتعلق بك؟ وكيف تعامل تفاحة الحب؟
كنت تطلب إلّي وقتها أن أقول "نعم" دون أي احتمال للرفض.. كنت تعريني من كل أجوبتي.. ومن نصف الأشياء التي تحيط بي.. وبعدما أسرني انعكاس البحر بعينيك قلت:
-بلى يمكن تفضل!
جاء سؤالك لي بعدها على وقع الابتداء.. وكأنك تكتسح الفرصة الأولى للدخول إلي.. فسألتني عن اسمي الذي اتخذ يومها من فصول الزمان حروفا له.. وحتى أنا سمعته من نفسي بطريقة مختلفة..
كان سؤالا بسيطا.. يجب أن يقع.. بطريقة أو بأخرى.. لكنه كان يلامس أطراف البداية لمشروع أكبر.. أخشى على نفسي منه.. ومن خيبة تجمعني باسمي بعده.. فقد كان السؤال الأول الذي يتحالف مع الصدق.. ويرغمني مرة أخرى على الإجابة..
- ليلى.. اسمي ليلى!
باندهاش ملحن.. كنت تنزلق على الفواصل.. كنت تتقدم نحو منبع الكلام.. تتهجم علي دون أن تدري:
- ليلى.. كم احب هذا الاسم.
في تلك الثانية المتشردة عن الساعات.. كنا نجلس على رمال الشاطئ.. رمال الشاطئ التي تحولت بداخلي رمالا متحركة يوم كان اندهاشك طرف كلام ممزق في نهايته..يوم ترك ثقبا عميقا على ملامحي.. وواجهني بكبرياء ربما لم يكن مقصودا.. إلا أني خفت منه وقتها.. قبل أن أخاف منك.. وقبل أن أسأل نفسي من أنت فيّ؟؟ ..فقد تكون أحببت اسمي لأنه يتزحلق على شظايا ماضيك..أو لأنك أحببت أن تكون يوما ما.." قيس"...ذاك العاشق المفقود اليوم..
الحلقة (2)
أيقظتني من غفوتي بصوتك الذي عاد لي كفراشة:
- هل من مكروه؟
- لا .. لا .. لكنك لم تخبرني أي اسم ينتمي لك؟
ودون تردد وعلى صفحات من كبرياء قلت:
- خالد..
طالما أوحى لي هذا الاسم بالحب الخالد، أمن الممكن أن تصبح خالدا في الوجود المخادع داخل بيانِ الروح وطبول الأيام ؟
رفعت نظري عن الرمال ونظرتك تشي بشوق جميل تحرك بداخلي:
- كم هو جميل اسمك يا خالد إن شاء الله تظل خالداً للابد.
صمت.. بعد أن تركت ابتسامة على شفتيك.. وكأنك أحببت ما قلته.. أو كأنك ستنفذ بي حكم خلودك.. شعرت بأني معك سأبدأ بتغيير حياتي.. وبك سأكون منهزمة..حتى أني لكثرة الأفكار التي شغلتني عنك.. ما عدت أذكر كل فتات الكلام الذي حدثتني به كأني ما كنت أفكر إلا بسخافتي في هذا التعرف السريع.. وبابتساماتي المطولة اتجاهك فأبدا لأول مرة أهاب الحروف وأرفض جزيئات الكلام.. فهذه أول مرة أصادف بها إجابات بهذه السرعة .. غير متلعثمة بين السطور لتمويه ينتهي بمحاصرتي بين كل فكرة وأخرى..
بوجودك المربك لم تترك لي مكانا للتنفس.. بت مختنقة بك.. مختنقة بتلك المسافة بين الزمن الذي مضى قبلك.. وهذا الزمن الذي انفتح أمامي فجأة لينيرك شمعة ضوء.. شمعة لا تنصهر.. بقدر ما كانت تصهر كل من ينظر إليها.. كانت تشبه عينيك.. تلك التي ظننت من شدة ما تحركت على ملامحي أنها أحبتني من النظرة الأولى!!
جعلتني أعود لمبدأي الذي انشغلت به كل يوم..
(إن حباً من النظرة الأولى ليس سوى دخانا تعانق وهما )
لأن أقل حب كنت أقتنع به هو الذي يأتي من بعد ما يسمونه النظرة الأولى.. فلم أكن أعتبر الحب انجرافا قلبيا.. على قدر ما كنت أعتبره انسجام أفكار تتشابه حد التطابق.. فتتكاثر لتصنع حبا بحجم تطابقها!
تعود لتقول:
- ليلى..كم سنة هربت من عمرك؟
يا لك من رجل !! كم طريقة تملك للمراوغة؟ وكم حرف في اللغة تبتز؟ أتراك لم تكن كل الكلمات التقليدية؟؟ وكنت أول من يرفض عبارة كم عمرك؟؟ ولكن من أين لي أن أغير كل تقاليدي الكلامية لأصل إلى جوهر لغة تترفع عن أي تكرار؟؟ مصرة على المكوث في عالم خاص بك ..
- هَربت ثلاث عشرون سنة..
- إذن أنا أهرب عنك بعشر سنوات وربما بدهر أيضا..
صحت:
- دهر!!
ولكنك لم تجبني بشيء، أحسست وقتها أن سؤالاًً كهذا من السهل أن يكون بمنتهى السذاجة معك.. فقد تعني أشياءً ملتصقة بالغرائب.. لأعرف أنك تشبه شجرة سنديان يكون عمرها الحسابي أقل من عمرها المطري والريحي..فأسخف لك عدد حبات المطر التي هطلت على كتفيك جلدا.. وعلمتك معنى البرد والتسكع تحت أسواط الحياة.. فتثبت لي أن السنوات التي هربت من عمرك كانت أكثر ثقلا..
لا أدري وقتها لمَ زادتني تلك المساحة من غربتك خوفا وتشبثا بالرمال.. وكأني أتقدم إلى الموت طوعا.. أنا التي لم أعرف قبلك أي رجل بهذا الطعم من الغرور.. ولا أي رجل يأتيني بفلسفة جديدة.. أسئلة غير اعتيادية.. فيفتح فيّ شيئا جديدا ونظرة مختلفة للأشياء!
فجأة تعود تقليديا لتقول:
- لم تخبريني ماذا أنهيتِ بدراستك الجامعية؟
- أنهيت دراسة الحقوق، وطموحي أن اصبح محامية ناجحة
- حقاً !!وأي نوع من القضايا تفضلين؟
- احب تلك القضايا الغريبة التي تساعدني على ابتكار أفكار جديدة لاستعادة حق صاحب القضية!!
- سأبحث عن قضية جديدة تدافعي بها عن نفسك.. فكل المحاميين يدافعون دوما عن غيرهم.. يجب أن تكوني مختلفة.. أحب لك الاختلاف عنهم!
كنت ساذجة في أسئلتي.. غير عميقة الكلمات.. أقول كلمات كما تعلمتها سابقا من فتيات الجامعة.. بحماقة أتكلم.. بعيدة عن أجواء المراوغة بالحديث.. طفلة تتعلم.. لم أملك من أحداث الحياة الحقيقية أي شيء.. ولم
تكن تفاصيل الأشياء تثير انتباهي.. حتى أني ما أعطيت جملتك حقها من الخوف والدهشة..
فواصلت أسألك:
- وحضرتك.. ماذا تعمل؟
- آنا لا أعمل في مكان واحد!
حتى أبسط الأسئلة أيضاً.. كنت تغلفها بفضولي تغلفها بفلسفة من لا يريد إجابة محددة.. وبفلسفة من لا يبحث عن التلقين إلاجابي فترهبني من القادم.. وتجعلني أتساءل فيما لو كان اقترافي الحديث معك صوابا..
فأعود أسألك متنبئة:
-وهل أنت رجل أعمال؟
- بل أنا كابتن طائرة...
مهنة أخرى.. لم تخطر ببالي يوما.. ولم أكن أعلم أنها ستمتني بصلة.. وأنه عند هذه اللحظة بالذات سيجدر بي الانفراد عموديا مع نفسي والتسكع بثمالة بين الأسئلة!
( متى تكون رحلتك خلف الأرض؟)
منقول للأمانة 
سبحان الله, الحمد لله, لا اله إلا الله والله أكبر
سبحان الله عدد خلقه ورضى نفسه وزنة عرشه و مداد كلماته
سبحانك اللهم إني كنت من الظالمين
|