النتاج الضروري والنتاج الاجتماعي الفائض
إن ظهور فائض كبير ودائم من المؤن هو الذي يحدث انقلابا في شروط التنظيم الاجتماعي. فعندما يكون هذا الفائض صغيرا نسبيا ومبعثرا بين قرية وأخرى، لا يغير البنية المتساوية للمشاعة القروية. إنه يسمح فقط بإعالة بعض الحرفيين والموظفين، أمثال الذين بقوا خلال آلاف السنين في القرى الهندية.
لكن عندما يتم حصر هذه الفوائض على مساحات كبيرة من قبل زعماء عسكريين أو دينيين، أو عندما تتكاثر الفوائض في القرية بفضل تطوير أساليب الزراعة، تستطيع خلق شروط ظهور تفاوت اجتماعي، يمكن استعمالها لإعالة أسرى الحرب أو أسرى عمليات القرصنة (الذين كانوا يقتلون سابقا بسبب قلة المؤن). ويمكن إجبار هؤلاء على العمل لأجل المنتصرين لقاء قوتهم: هكذا ظهرت العبودية في العالم الإغريقي.
ويمكن استعمال الفائض ذاته لإعالة طائفة من الكهنة والجنود والموظفين والأسياد والملوك: هكذا ظهرت الطبقات المسيطرة في إمبراطوريات الشرق القديم (مصر، بابل، إيران، الهند، الصين).
عندها يستكمل التقسيم الاقتصادي للعمل بتقسيم اجتماعي. وينتهي استعمال الإنتاج الاجتماعي بمجمله لسد حاجات المنتجين. بل ينقسم هذا الإنتاج بعدئذ إلى قسمين:
الناتج الضروري، أي قوت المنتجين الذين لولا عملهم لأنهار المجتمع بأسره.
النتاج الاجتماعي الفائض، أي الفائض الذي ينتجه المنتجون والذي تحتكره الطبقات المالكة.
هاكم وصف المؤرخ هايشلهايم لظهور المدن الأولى في العالم القديم: « يتألف سكان المراكز المدنية الجديدة… بقسمهم الأعظم من شريحة عليا تعيش من الريوع (أي أنها تتملك فائض نتاج العمل الزراعي - أ.م.) مؤلفة من أسياد ونبلاء وكهنة. ويجب أن نضيف إليهم الموظفين والمستخدمين والخدام الذين تعيلهم هذه الشريحة العليا بصورة غير مباشرة ».
هكذا يؤدي ظهور الطبقات الاجتماعية - الطبقات المنتجة والطبقات المسيطرة - إلى ولادة الدولة التي هي المؤسسة الرئيسية لحفظ الشروط الاجتماعية القائمة، أي التفاوت الاجتماعي. إن انقسام المجتمع إلى طبقات يتدعم بتملك الطبقات المسيطرة لوسائل الإنتاج
|